فخر الدين الرازي

107

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

السؤال الثاني : أنه إنما يقال : فلان ذاق العذاب إذا أدرك شيئا قليلا منه ، واللَّه تعالى قد وصف أنهم كانوا في أشد العذاب ، فكيف يحسن أن يذكر بعد ذلك أنهم ذاقوا العذاب ؟ والجواب : المقصود من ذكر الذوق الاخبار بأن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كاحساس الذائق المذوق ، من حيث أنه لا يدخل فيه نقصان ولا زوال بسبب ذلك الاحتراق . ثم قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً والمراد من العزيز : القادر الغالب ، ومن الحكيم : الذي لا يفعل إلا الصواب ، وذكرهما في هذا الموضع في غاية الحسن ، لأنه يقع في القلب تعجب من أنه كيف يمكن بقاء الإنسان في النار الشديدة أبد الآباد ! فقيل : هذا ليس بعجيب من اللَّه ، / لأنه القادر الغالب على جميع الممكنات ، يقدر على إزالة طبيعة النار ، ويقع في القلب أنه كريم رحيم ، فكيف يليق برحمته تعذيب هذا الشخص الضعيف إلى هذا الحد العظيم ؟ فقيل : كما أنه رحيم فهو أيضا حكيم ، والحكمة تقتضي ذلك . فان نظام العالم لا يبقى إلا بتهديد العصاة ، والتهديد الصادر منه لا بد وأن يكون مقرونا بالتحقيق صونا لكلامه عن الكذب ، فثبت أن ذكر هاتين الكلمتين هاهنا في غاية الحسن . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 57 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ( 57 ) اعلم أنه قد جرت عادة اللَّه تعالى في هذا الكتاب الكريم بأن الوعد والوعيد يتلازمان في الذكر على سبيل الأغلب ، وفي الآية مسألتان : المسألة الأولى : هذه الآية دالة على أن الايمان غير العمل ، لأنه تعالى عطف العمل على الايمان ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه . قال القاضي : متى ذكر لفظ الايمان وحده دخل فيه العمل ، ومتى ذكر معه العمل كان الايمان هو التصديق ، وهذا بعيد لأن الأصل عدم الاشتراك وعدم التغير ، ولولا أن الأمر كذلك لخرج القرآن عن كونه مفيدا . فلعل هذه الألفاظ التي نسمعها في القرآن يكون لكل واحد منها معنى سوى ما نعلمه ، ويكون مراد اللَّه تعالى منه ذلك المعنى لا هذا الذي تبادرت أفهامنا اليه . هذا على القول بأن احتمال الاشتراك والإفراد على السوية ، وأما على القول بأن احتمال البقاء على الأصل واحتمال التغيير متساويان فلا ، لأن على هذا التقدير يحتمل أن يقال : هذه الألفاظ كانت في زمان الرسول صلى اللَّه عليه وسلم موضوعة لمعنى آخر غير ما نفهمه الآن ، ثم تغيرت إلى هذا الذي نفهمه الآن . فثبت أن على هذين التقديرين يخرج القرآن عن كونه حجة ، وإذا ثبت أن الاشتراك والتغيير خلاف الأصل اندفع كلام القاضي . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى ذكر في شرح ثواب المطيعين أمورا : أحدها : أنه تعالى يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، وقال الزجاج : المراد تجري من تحتها مياه الأنهار ، واعلم أنه إن جعل النهر اسما لمكان الماء كان الأمر مثل ما قاله الزجاج ، أما إن جعلناه في المتعارف اسما لذلك / الماء فلا حاجة إلى هذا الإضمار ، وثانيها : أنه تعالى وصفها بالخلود والتأبيد ، وفيه رد على جهم بن صفوان حيث يقول : إن نعيم الجنة وعذاب النار ينقطعان ، وأيضا أنه تعالى ذكر مع الخلود التأبيد ، ولو كان الخلود عبارة عن التأبيد لزم التكرار وهو غير جائز ، فدل هذا أن الخلود ليس عبارة عن التأبيد ، بل هو عبارة عن طول المكث من غير بيان أنه منقطع